ابن كثير
146
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
شيء ابتدعته من قبل نفسي ؟ قال « بل شيء كتبته عليك قبل أن أخلقك » قال : فكما كتبته علي فاغفر لي ، قال : فذلك قوله تعالى : فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ . وقال السدي عمن حدثه عن ابن عباس : فتلقى آدم من ربه كلمات ، قال : قال آدم عليه السلام : يا رب ألم تخلقني بيدك ؟ قيل له : بلى ، ونفخت فيّ من روحك ؟ قيل له بلى ، وعطست فقلت يرحمك اللّه ، وسبقت رحمتك غضبك ؟ قيل له : بلى ، وكتبت علي أن أعمل هذا ؟ قيل له : بلى ، قال : أرأيت إن تبت هل أنت راجعي إلى الجنة ؟ قال : نعم . وهكذا رواه العوفي وسعيد بن جبير وسعيد بن معبد عن ابن عباس بنحوه ، ورواه الحاكم في مستدركه من حديث ابن جبير عن ابن عباس ، وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، وهكذا فسره السدي وعطية العوفي . وقد روى ابن أبي حاتم هاهنا حديثا شبيها بهذا فقال : حدثنا علي بن الحسين بن إشكاب ، حدثنا علي بن عاصم عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن عن أبي بن كعب ، قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « قال آدم عليه السلام : أرأيت يا رب إن تبت ورجعت أعائدي إلى الجنة ؟ » قال : نعم فذلك قوله فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ وهذا حديث غريب من هذا الوجه وفيه انقطاع . وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله تعالى : فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه . قال : إن آدم لما أصاب الخطيئة قال : أرأيت يا رب إن تبت وأصلحت ؟ قال اللّه « إذا أدخلك الجنة » فهي الكلمات ومن الكلمات أيضا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ . وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه كان يقول في قول اللّه تعالى : فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه ، قال : كلمات : اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك ، رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك خير الغافرين ، اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك ، رب إني ظلمت نفسي فارحمني إنك خير الراحمين ، اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك ، رب إني ظلمت نفسي فتب علي إنك أنت التواب الرحيم . وقوله تعالى إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ أي إنه يتوب على من تاب إليه وأناب كقوله أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ [ التوبة : 104 ] وقوله : وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ [ النساء : 110 ] ، وقوله : وَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحاً [ الفرقان : 71 ] وغير ذلك من الآيات الدالة على أنه تعالى يغفر الذنوب ، ويتوب على من يتوب ، وهذا من لطفه بخلقه ورحمته بعبيده ، لا إله إلا هو التواب الرحيم . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 38 إلى 39 ] قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 38 ) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 39 ) يقول تعالى مخبرا عما أنذر به آدم وزوجته وإبليس حين أهبطهم من الجنة ، والمراد الذرية ، أنه سينزل الكتب ويبعث الأنبياء والرسل كما قال أبو العالية : الهدى : الأنبياء والرسل والبينات